فخر الدين الرازي
169
المطالب العالية من العلم الإلهي
الحجة الخامسة : قوله تعالى : وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ : رَأْفَةً وَرَحْمَةً « 1 » ويقرب منه : قوله تعالى : وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً « 2 » ولا شك أن تلك المودة والرحمة من الطاعات العظيمة . فدل ذلك : على أن طاعات العباد مخلوقة للّه تعالى . الحجة السادسة : قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ : عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ « 3 » ونظيره قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ : عَدُوًّا . شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ « 4 » . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد منه : الحكم بكون أولئك المجرمين ، أعداء لذلك النبي ؟ فنقول : المراد : أنه تعالى لما خصص الرسل بالكرامات الفائقة ، والفضائل العظيمة ، التي بسببها يحسدهم الكفار ، ويعادونهم ، صار كأنه تعالى هو الذي جعلهم أعداء لأولئك الأنبياء ، وإليه أشار المتنبي بقوله : أزل حسد الحساد عنّي بكبتهم * فأنت الذي صيرتهم لي حسدا ثم الذي يدل على أنه لا بد من المصير إلى هذه التأويلات : جميع الآيات الدالة على أنه تعالى ينصر الأنبياء والرسل . قال - تعالى - : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ : بِالْهُدى ، وَدِينِ الْحَقِّ ؛ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ . وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ « 5 » وقال : وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً « 6 » فكيف يليق بمثل هذا الإعزاز ، أن يلقى عداوته في قلوب الناس ؟ والجواب : أما تفسير لفظ الجعل بالحكم والتسمية . فقد ذكرنا أنه خلاف الظاهر . وأيضا : لو سلمنا ذلك . إلا أن اللّه تعالى لما كان قد حكم به
--> ( 1 ) سورة الحديد ، آية : 27 . ( 2 ) سورة الروم ، آية : 21 . ( 3 ) سورة الفرقان ، آية : 31 . ( 4 ) سورة الأنعام ، آية : 112 . ( 5 ) سورة الصف ، آية : 9 . ( 6 ) سورة الفتح ، آية : 3 .